الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
184
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
من جهة انصراف الإطلاق إليه ومدلوله بحسب الوضع هو طلب مطلق الطبيعة وذهب بعضهم إليه من جهة قيام القرائن الدالة العامة وهل يكون الفور حينئذ واجبا أو لا فإذا أخر وعصى سقط الفور وبقي وجوب الفعل على إطلاقه من غير عزم التعجيل فلا يعصي بالتأخير إلى الزمان الثالث وما بعده أو أنه يجب التعجيل أيضا فيعصي بالتأخير إلى الثالث ومنه إلى الرابع وهكذا قولان محكيان وهناك قول ثالث وهو سقوط الفعل بالتأخير عن الأول كما سيشير إليه المصنف فهذه أقوال تسعة في القول بالفور ولكن يقوم الاحتمال فيه بما يزيد على ذلك كثيرا كما يظهر من ملاحظة الاحتمالات بعضها مع بعض ثانيها القول بدلالته على التراخي ذهب إليه جماعة من العامة وحكي القول به عن الجبائيين والشافعية والقاضي أبي بكر وجماعة من الأشاعرة وأبي الحسين البصري والمراد بالتراخي هو ما يقابل القول بالفور على أحد الوجوه الأربعة المتقدمة دون الوجه الخامس لما عرفت وقد عرفت أن ذلك لم يكن تحديدا لمفاد الفورية حتى يقابله التراخي ثم إن المقصود به جواز التراخي بأن يكون مفاد الصيغة جواز التأخير دون وجوبه إذ لا قائل ظاهرا بدلالته على وجوبه نعم ربما يحكى هناك قول بوجوب التراخي حكاه شارح الزبدة عن بعض شراح المنهاج قولا للجبائيين وبعض الأشاعرة لكن المعروف عن الجبائيين القول بجواز التراخي وهو المحكي أيضا عن الشافعية فالقول المذكور مع وهنه جدا حيث لا يظن أن عاقلا يذهب إليه غير ثابت الانتساب إلى أحد من أهل الأصول نعم ربما يقرب وجود القائل ويرفع الاستبعاد المذكور ما عزاه جماعة منهم الإمام والآمدي والعلامة رحمه الله إلى غلاة الواقفية من توقفهم في الحكم بالامتثال مع المبادرة أيضا لجواز أن يكون غرض الأمر هو التأخير فإذا جاز التوهم المذكورة فلا استبعاد في ذهاب أحد إلى وجوبه أيضا بل وفي ما ذكر إشعار بوجود القائل به إذ لو اتفقت الكلمة من الكل على الحكم بالامتثال مع التعجيل لم يحتمل الوجه المذكور حتى يصح التوقف فيه لكن نص في الأحكام والنهاية بأن المتوقف المذكور خالف إجماع السلف وكيف كان فلو ثبت القول المذكور فهو مقطوع الفساد إذ كون أداء المأمور به على وجه الفور قاضيا بأداء الواجب بما يشهد به الضرورة بعد الرّجوع إلى العرف فهذا القول على فرض ثبوت القول المذكور ينحل إلى قولين ويقوم فيه وجوه عديدة حسبما أشرنا ثم إن مقصود القائل بجواز التراخي أن الصّيغة بنفسها دالة على جواز التأخير حسبما نص عليه غير واحد منهم ويقتضيه ظاهر التقابل بين الأقوال وإلا فعلى القول بدلالته على طلب مطلق الطبيعة كما سيجيء الإشارة إليه يفيد ذلك جواز التراخي أيضا من جهة الإطلاق أو بضميمة الأصل ولو كان مراد القائل بجواز التراخي أيضا من جهة ما يعم ذلك لاتحد القولان ثالثها أنه صيغة لغة في طلب مطلق الطبيعة من غير دلالة في الصيغة على الفور ولا التراخي فإذا أتي به على أي من الوجهين كان ممتثلا من غير فرق وهذا هو الذي اختاره المحقق والعلامة والسيد العميدي وأطبق عليه المتأخرون كالشهيدين والمصنف وشيخنا البهائي وتلميذه الجواد وغيرهم واختاره جماعة من محققي العامة كالرازي والآمدي والحاجبي والعضدي وقد ذهب بعض القائلين به إلى حمل الأوامر الشرعية على الفور لقيام القرائن العامة عليه في الشرع وبعضهم إلى انصراف إطلاق الطلب إليه من غير وضعه له وقد أشرنا إليه في القائلين بالفور رابعها القول بالوقف فلا يدري هو للفور أو لا ذهب إليه جماعة من العامة وعزاه في النهاية إلى السيد وكلامه في الذريعة يأبى عنه وهم فريقان أحدهما من يقطع بحصول الامتثال بالمبادرة ويتوقف في جواز التأخير وخروجه حينئذ عن عهدة التكليف وهو الذي اختاره إمام الحرمين حاكيا له عن المعتقدين في الوقف ثانيهما من يتوقف في حصول الامتثال بالمبادرة أيضا وهم الغلاة في الوقف خامسها القول بالاشتراك اللفظي بين الفور والتراخي وعزى المصنف وغيره ذلك إلى السيد واحتجاجه في الذريعة باستعماله في الفور والتراخي وظهور الاستعمال في الحقيقة يشير إليه إلا أن كلامه في تحرير المذهب صريح في اختياره القول بالطبيعة ويمكن حمل احتجاجه بما ذكر على أن طلب ترك الطبيعة على سبيل الفور أو التراخي نحوان من الطلب وعلى الفور بوضعه لمطلق الطلب يكون كل من الإطلاقين حقيقة فيوافق أصالة الحقيقة بخلاف ما لو قيل بوضعه لخصوص أحدهما فالمقصود إذن بيان أصالة الحقيقة في كل من الإطلاقين حسبما ذكرنا لا فيما إذا استعمل في خصوص كل من الأمرين فإن ذلك غير معلوم ولا مفهوم من كلامه فلا يكون ما ذهب إليه قولا خامسا إلا أنه ذهب إلى حمل أوامر الشرع على الفور كحملها على الوجوب نص عليه في بحث دلالة الأمر على الوجوب أو غيره وظاهره كونه حقيقة شرعا في خصوص الفور فيكون إذن مذهبا آخر إلا أنه يندرج إذن في جمله أقوال القائلين بالفور حسبما ذكرنا فيرتقى الأقوال في المسألة إلى خمسة عشر قولا وبملاحظة الوجوه المحتملة فيها يحتمل الزيادة على ذلك بكثير [ في بيان الثمرة بين الأقوال . ] بقي الكلام في الثمرة بين الأقوال المذكورة فنقول إن الثمرة بين القول بالفور والتراخي ظاهرة وكذا بينه وبين القول بالطبيعة وبينه وبين القول بالوقف على الوجه الأول إن قلنا بكون كل من الفور والطبيعة مطلوبا مستقلا لا يسقط طلب الطبيعة بسقوطه وإلا فلا يبعد القول بلزوم الفور على القول المذكور تحصيلا ليقين الفراغ بعد اليقين بالاشتغال ويحتمل دفع احتمال وجوب الفور حينئذ بالأصل إلا أنه خلاف التحقيق بعد إجمال اللفظ والشك في المكلف به وعلى الوجه الثاني فالظاهر وجوب الإتيان به على الوجهين تحصيلا لليقين بالفراغ بعد اليقين بالاشتغال هذا إذا أمكن تكرار الفعل وإلا تخير بين الوجهين وبما قررنا يظهر